عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
45
اللباب في علوم الكتاب
الأجسام ، وفي جميع صفاتها ، لا جرم كان الاعتراف « 1 » بأنها بأسرها للّه تعالى ، وملك له ، ومحلّ تصرّفه وقدرته ، لا جرم أمره بالسّؤال أوّلا ، ثم بالجواب ثانيا ليدلّ ذلك على أنّ الإقرار بهذا المعنى ممّا لا سبيل إلى دفعه ألبتّة ، كما قال تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ لقمان : 25 ] وقوله : « اللّه » خبر مبتدأ محذوف أي : هو اللّه . فصل في المراد بالآية والمقصود من هذه الآية الكريمة تقرير إثبات الصّانع ، وتقرير المعاد ، وتقرير النّبوّة ، أما تقدير إثبات الصّانع ، فلأن أحوال العالم العلويّ والسّفلي تدلّ على أنّ جميع هذه الأجسام موصوفة بصفات كان يجوز عليها اتّصافها بأضدادها ، وإذا كان كذلك كان اختصاص كلّ جزء منها بصفة معيّنة لا بدّ وأن يكون لأجل أنّ الصانع الحكيم القادر المختار خصّه بتلك الصّفة المعينة ، وهذا يدلّ على أن العالم مع كل ما فيه مملوك للّه تعالى ، وإذا ثبت هذا ثبت كونه قادرا على الإعادة والحشر والنّشر ؛ لأن التركيب الأوّل إنما حصل لكونه - تبارك وتعالى - قادرا على كل الممكنات ، عالما بكل المعلومات ، وهذه القدرة والعلم ممتنع زوالهما ، فوجب صحّة الإعادة ثانيا . وإذا ثبت أنه - تعالى - ملك مطاع ، والملك المطاع من له الأمر والنهي على عبيده ، لا بدّ من مبلّغ ، وذلك يدلّ على أن بعثة الأنبياء والرّسل عليهم الصّلاة والسّلام من اللّه إلى الخلق غير ممتنع ، فدلّت هذه الآية الكريمة على هذه المطالب الثلاثة ، ولما سبق ذكر هذه المسائل الثلاثة ذكر اللّه - تبارك وتعالى - بعدها هذه الآية لتكون مقرونة « 2 » بمجموع تلك المطالب . قوله : « كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ » أي قضى وأوجب إيجاب تفضّل « 3 » ، لا أنّه مستحقّ عليه تعالى . وقيل : معناه القسم ، وعلى هذا فقوله : « ليجمعنّكم » جوابه ؛ لما تضمّن من معنى القسم ، وعلى هذا فلا توقّف على قوله : « الرّحمة » . وقال الزجاج « 4 » : إن الجملة في قوله : « ليجمعنّكم » في محل نصب على أنها بدل من الرحمة ؛ لأنه فسّر قوله تعالى : « ليجمعنّكم » بأنه أمهلكم وأمدّ لكم في العمر والرّزق مع كفركم ، فهو تفسير للرحمة . وقد ذكر الفرّاء « 5 » هذين الوجهين : أعني أن الجملة تمّت عند قوله تعالى : « الرّحمة » ، أو أنّ « ليجمعنّكم » بدل منها ، فقال : إن شئت جعلت الرّحمة غاية الكلام ، ثمّ
--> ( 1 ) في ب : الأعراف . ( 2 ) في الرازي مقررة 12 / 136 . ( 3 ) في ب : تفضيل . ( 4 ) ينظر : معاني القرآن له 2 / 255 . ( 5 ) ينظر : معاني القرآن له 1 / 328 .